2019 May 27 - 22 رمضان 1440
علي الأكبر(ع).. علوٌ فوق هامة التاريخ
رقم المطلب: ٢٤٣٨ تاریخ النشر: ١١ شعبان ١٤٤٠ - ١٣:٥٧ عدد المشاهدة: 30
المذکرة » عام
ميلاد أشبهُ النّاسِ خَلْقَاً وخُلُقاً ومَنْطِقاً برسول الله(ص)
علي الأكبر(ع).. علوٌ فوق هامة التاريخ

نقف اليوم في 11 من شعبان على أعتاب ذكرى ولادة علي الأكبر ابن الامام الحسين عليهما السلام، لكي نتذكَّر ونتأمَّل فيها رموزنا، أولياءنا الصّالحين، ولاسيما ان وظيفة هذه الذكريات هي أن تجعلنا نقف وقفة تأمّل في أوضاعنا؛ اذن ما هي المسافة التي تفصلنا عن صاحب الذكرى؟.

وفي مثل هذا اليوم خصص في ايران يوما للشباب، حيث يستلهم الشباب في مثل هذا اليوم من شخصية علي الاكبر الكثير من القيم.. والشباب الايراني هو واحد من اكثر الشباب نشاطا وحبا للعلم وطلبا له، وهذا الامر تجلى في الانجازات العلمية العديدة والمراحل التي وصلها على مستوى العالم.. 

صاحب الذكرى اليوم هو عليّ الأكبر، «أبو الحسن» ابن الامام الحسين بن علي بن ابي طالب «عليهم السلام». الذي رسمت صورته الحقيقية في كلّ آية من الآيات والصفات التي نزلت بالنبي الاكرم محمد(صلى الله عليه واله وسلم). هذه الصّورة التي ربما نجد اليوم أنّنا نحتاج إلى أن نعيد قراءتها من جديد، نحتاج إلى أن ندقّق في تفاصيلها، فربما بفعل التّاريخ، دخلت جزئيّة من هنا ليست من علي الأكبر في شيء، أو صفة من هناك لا ترقى إلى أن تكون في مستوى صفة من صفات علي الأكبر، الإنسان الرّحيم الّذي يشرق بسلوكه قبل كلامه على العالم كلِّه، وعلى الأعداء قبل الأولياء. 

ولد علي (عليه السّلام) في بيت يتمتع بالحضور الكامل للإيمان والتقوى، بيت رحب الفكر، واسع المعرفة، مزدحم بالصالحين والطاهرين والذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، الذين لا يفتؤون يحرصون على صيانة مبادئ رسالتهم، ويتمسّكون بحرفيتها، ويرفعون ألوية العقيدة عالياً، بيت هو العقيدة بذاتها؛ الأمر الذي يفسر دعوة الله للناس كي يحبوا ذلك البيت ويوادّوه، ويحاربوا من يكرهه ويعادوه، بيت عامر بكل ما يمتّ للإسلام بصلة، وللحق والحقائق بروابط وعلائق. 

ومن شأن الوليد الذي يفتح عينه في أجواء الصفاء لبيت الصفوة، وأوساط الشرف والسؤدد، وبيئة الخير والصلاح والهدى، من شأنه أن ينشأ على إفاضات ذلك البيت النبيل، وقبسات أهل ذلك البيت من الرجال الذين اُنيطت بهم حراسة القضية الإسلاميّة، وصيانة الشرع الشريف، وحفظ الدين المحمّدي الحنيف. 

نشأ وهو يرتشف لبن صدور المؤمنات التقيات، وقد تشرّب بأخلص العواطف وصادق الحنان، وراح جسده ينمو وتنمو مشاعرهُ السليمة وروحه الطاهرة ونفسه السوية، أكل وشرب ممّا أنعم الله به حلالاً طيباً لا يأتيه الباطل والشبهة، نشأ على أسمى معاني المؤمنين الأتقياء ومزاحهم الجميل معه؛ فمادته ومعنوياته من فيض حوض طاهر نقي، بمعنى أن جسده وروحه تنزّها عن الشوائب المكدرة والأدران المقيتة. 

ترعرع علي الأكبر في تلك الأوساط النظيفة، حيث قضى سني حياة صباه يدرج بين صفوة الرجال وصفوة النساء، وخيرة الفتيان والصبيان، بين شخصيات جليلة القدر، وشباب يسمون نحو الكمال والعز والإباء. 

نشأ وترعرع وهو ملء العين، فتخطّى الزمن وتجاوز الأيام، مضى يقضي أياماً زاهرة وليالي مباركة، وأشهراً وسنيناً خالدات، متسلقاً الدهر، يعلو فوق هامة التاريخ شخصاً فريداً في مجمل خصوصياته، وشاباً خلاّقاً في ربيع حياته؛ فرجلاً بطلاً ينفرد في مميزات جمة وجليلة سامية؛ إذ نال من التربية ما يصعب على الكثيرين حصوله ونيله حتّى أبناء الملوك والأمراء، أبناء الأكاسرة والقياصرة، وما هو وجه الشبه حتّى نذكر ونمثّل بأبناء الملوك؟! 

تختلف الرّوايات التاريخية حول تاريخ ولادة عليّ الأكبر(عليه السلام) فبينما البعض يشير أنّها كانت في العام 33 للهجرة، أي قبل مقتل عثمان بن عفان بسنتين، ويقدِّمون الأدلّة على ذلك، بينما البعض الاخر يؤكد انها كانت في العام 35 للهجرة، أو 41 للهجرة. وبناءً على التَّاريخ الأوّل، يكون قد عاش في حياة جدّه امير المؤمنين علي(عليه السلام) سبع سنوات تقريبا. أمّا مكان ولادته، فكان في المدينة المنوّرة دون اختلاف في ذلك. 

وكذلك تختلف الروايات التاريخية حول زواجه والأولاد اذ يذكر البعض أنّه كانت له زوجة، وأنّه أنجب منها ولدًا، مستندين إلى ما ورد عن أبي حمزة الثّمالي عن الإمام الصّادق(عليه السلام) أنّه قال في زيارته «صلّى الله عليك وعلى عترتك وأهل بيتك وآبائك وأبنائك وأمَّهاتك الأخيار والأبرار" أي كان علي الاكبر متزوجاً وله ذرية. ولكن ذهب البعض الى نفي ذلك وأنّه لم يتزوّج ولم ينجب، وأنّه استشهد وليس له عقب، وأنَّ العقب الوحيد للإمام الحسين(عليه السلام) كان من ولده الامام زين العابدين(عليه السلام) وأما علي الأكبر فاستشهد مع أبيه في كربلاء، وليس له عقب . 

في الوقت نفسه، قالوا عن سماته انه كان معتدل القامة عريض المنكبين، ابيض اللون مشروب بحمرة، اسود العينين كث الحاجبين، اذا مشى كأنه ينحدر من الأرض، يلتفت بتمام بدنه، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، وتفوح منه رائحة المسك والعنبر، وحينما خرج الأكبر للقتال يوم عاشوراء، قال الإمام الحسين: «اللّهمَّ اشهدْ على هؤلاء القوم، فقد برزَ إليهم غُلامٌ أشبهُ النّاسِ خَلْقَاً وخُلُقاً ومَنْطِقاً برسولك، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك، نظرنا إليه». ثم قال «قَتَل اللهُ قَوْماً قتلوك ما أجْرأهُم على الرّحمن وعلى انتهاك حُرْمَةِ الرّسول»

اذن السؤال الذي يطرح نفسه هو، أين نحن من علي الأكبر؟! أين أخلاقنا، عقلنا، سلوكنا، منهجنا، نظمنا، اجتماعنا والمساواة والإخاء الانساني... أين كلّ ذلك من هذه الصّورة التي أراد تجسيدها يوم العاشر من محرم، يمكن القول ان كل ما نتوخاه من علي الاكبر هو بكل بساطة أن نستحضر هذه القيم التي جسدها، لتكون حاضرة أمام عين العقل، وان تخلي الانسان عن قيمه يفقده معنى وجوده في مجتمعه وفي الحياة، بل يفقد هويته الذاتية. وان ما تنصت عليه التعاليم السماوية هو أن يكون الفرد هو ذاته أينما كان وأن يجتهد في صنع القيم الايجابية وأن يعمل على توكيدها. هذا ما اشار اليه الله «عزوجل» في كتابه الكريم عن كلّ حركة من حركات أَوْلِيَاءَهُ وانبياءه تكون كنموذج اذ قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِير)

وعليه، ان مسؤوليتنا هي لا تقلّ أهمية عن سلوكنا الفرديّ لصورة علي الأكبر(عليه السلام)، لا بدّ للمجتمع الاسلامي من أن يجسّد صورة علي الاكبر في علاقاته الاجتماعيّة إذا كان علي الأكبر(عليه السلام) يتصدَّق على الفقير، فلا بدَّ من أن تتحوَّل الصدقة على الفقير إلى نظام، لا بدَّ من أن تتحوَّل إلى حالة مؤسّسية تمتدّ ما امتدّت الحياة في المجتمعات، وتحوّل التكافل الاجتماعي إلى حالة دائمة مستمرّة، وتعطي زخمها بطريقة منظّمة. 

وكذلك لا بدَّ من أن تكون سياستنا على صورة نموذج علي الأكبر في سياسته، لا سياسة اللّفّ والدّوران والعبث لأجل المنافع الشخصيّة والأطماع الذاتيّة، وإنما سياسة العدل ورفض الظلم والطغيان وهذا ما يؤكده في قوله (عليه السلام) يا أبتَ، ألَسنا على الحق... إذاً لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموتُ علينا، فأجابه الإمام الحسين(ع) قائلا: «جَزَاك اللهُ مِن وَلدٍ خَير مَا جَزَى وَلَداً عن والِدِه» وذلك أن يكون التَّعاطي والوقوف بوجه الظالم ونصرة الحق بهذا المستوى. 

دعونا نتعلّم من علي الأكبر الثبات وإظهار المعتقد والدفاع عن حق أو بيان الحقيقة والمحبَّة، ونعرض عن تعلّم الحقد، لأنَّ هناك الكثير من الناس يعلّموننا الحقد، وان يبقى القلب المفتوح هو الذي يحبّه الله «عزوجل». وهناك كلمة للإمام الصّادق(ع) يقول فيها: «هل الدّين إلا الحبّ»، فأصل الدّين هو هذا القلب المفتوح الذي يحبّ الله «عزوجل» فيحبّ الناس من خلال محبّته لله، ولنقتد بعلي الاكبر(ع) وهذا لا يكون فقط بأن نذهب إلى كربلاء لزيارته، بل بأن نقف أمامه ونفكر كيف كان قلبه ممتلئاً بحبّ الله وبحبّ النّاس وثابتا على الحق كما في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»

 



Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة